الشيخ علي المشكيني
92
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى
وفي النهاية الأثيرية : في الحديث : « كلّ مولودٍ يولد على الفطرة » : الفَطر : الابتداء والاختراع ، والفطرة : الحالة كالجِلسة والرِكبة ، والمعنى : أنّه يولد على نوعٍ من الجبلّة والطبع المُتَهَيّء لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمرّ على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها ، وإنّما يعدل عنه من يعدل لآفةٍ من آفات البشر والتقليد ، إلى آخره « 1 » . والمتحصّل : أن التوحيد مودع في طينة المولود ، فهو مسلم بالقوّة ؛ فإذا أدرك الحسن والقبح في الجملة واستقلّ بالتفكّر أذعن به ، إمّا إشراقاً ، أو بدلالة العقل . ومورد الاستدلال بالخبر قوله : « حتّى يُعرب لسانه » فإنّه إذا استطاع على الخروج عن سلطة القواهر الخارجيّة واستقلّ ، فإمّا أن يختار اتّباع الفطرة ، أو اتّباع الهوى . والأوّل شكرٌ لنعمة التوحيد وهو الإيمان ، والثاني كفرانٌ لها وهو الكفر ؛ فحصول الإيمان موقوفٌ على إعراب اللسان عمّا يوافق الفطرة ، والكفر على إعرابه عمّا يخالفه ، كان في حال صغره أو كبره . والخبر دالٌّ على صحّته ، ولازمه الوجوب كعكسه ، وهو الذي أشار إليه الأردبيليّ قدس سره « 2 » . وما ذكره في الخلاف « 3 » أيضاً من دلالة النصوص على إسلام عليٍّ عليه السلام قبل بلوغه وقبوله منه ، وهو أمر ثابت عند الفريقين . ودعوى اختصاصه بعليٍّ عليه السلام تحكّمٌ كما ستعرف . ومرسل الصدوق قال : قال عليّ عليه السلام : « إذا أسْلَمَ الأبُ جَرَّ الولدَ إلى الإسلامِ ، فمَن أدْرَكَ مِن وُلده دُعي إلى الإسلام ، فإن أبى قُتِلَ ، وإن أسْلَمَ الولدُ لم يَجُرَّ أبَوَيْهِ ، ولم يَكُنْ بينهما ميراثٌ » « 4 » . قوله : « وإن أسلم الولد لم يجرّ أبويه » ، أي الولد الصغير ، وظاهرٌ أنّ الأب لا يتبع
--> ( 1 ) . النهاية ، ج 3 ، ص 457 ( فطر ) . ( 2 ) . مجمع الفائدة والبرهان ، ج 10 ، ص 410 . ( 3 ) . الخلاف ، ج 3 ، ص 592 . ( 4 ) . كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 152 ، ح 3556 ؛ وسائل الشيعة ، ج 28 ، ص 329 ، ح 34878 . وفي تهذيب الأحكام ، ج 8 ، ص 236 ، ح 852 ، بسنده عن زيد بن عليّ ، عن آبائه ، عن عليّ عليه السلام مثله . وعنه في وسائل الشيعة ، ج 23 ، ص 107 ، ح 29206 .